أبو الحسن العامري

427

رسائل أبو الحسن العامري

الطبيعيّ فيتّحد « 16 » به طبعا ؛ وأما الكمال النطقي فليس يفوز به الا من صدقت عنايته بنفسه في معاناة الأمور المختارة بالذات ، علما وعملا . ولهذا قيل : إنّ وجود الكمال المطلق للأشياء المحصّلة بالعقل ليس بمتّبع لحصول إنّيّاتها بل هو نافع لخصائص أفعالها وانفعالاتها . ولذلك شبّهوا الكمال الطبيعيّ بصورة الحيوانية في الدجاجة والفرخ وشبّهوا الكمال النطقي بصورتها في البيضة والبزر ؛ بل لهذا ما أحوجوا ، في الكمال النطقيّ ، إلى معونة من خارج حسب احتياج البيضة إلى حاضن يسوقه نحو كماله الأخصّ . ولولا ذلك لما افتقر كلّ واحد من البشر - في عنفوان نشوئه وابتداء جبلّته - إلى متعطّف بالعناية الصادقة عليه ، ليسلخه بالتدريج عن حالته الطبيعية إلى كماله النطقيّ ؛ أعني الحالة التي يستغني لها بجوهره عن معنى من خارج ؛ فيهتزّ عند ذلك بنفسه إلى درك كماله حتى يصير انسانا بالفعل ؛ أعني بالهيئة الحقيقية لا بالصورة التخطيطية . ولهذا قيل : « إنّ لا إنّ خير من بئس الإنّ » « 17 » ؛ يعنون بذلك أن لا حياة خير من بئست الحياة . وعلامة « بئست الحياة » ألا يأخذ ما اتفق له من الخيرات الخارجة عن القصد الأوّل والكفاية حسب ما تأخذه الحيوانات الأخر ؛ بل يسرف على نفسه بجذب ما يستغني عنه ويجني على غيره بمنع ما يحتاج اليه اتّباعا لشهواته الفاسدة ، والظنون الكاذبة ، فيرتبك طول عمره في الآلام والحسرات . - ومن هاهنا يعلم أن الكمال الطبيعيّ قد يستفيده الانسان بالقهر والضرورة . فأما الكمال النطقيّ فليس يستفيده الا باستحكام الدربة بالأفعال الإرادية . بل يعلم أن الأفعال الإرادية المؤدّية إلى هذا الكمال أكثرها يوجد على سبيل الالجاء . ويشبه أن يكون الالجاء حالا متوسطة بين الطوع والضرورة . فان الانسان وإن كان مختصّا بالاختيار فاختياره ليس بمتوجّه أبدا نحو الصلاح والصحة بل يفتنّ إلى طرفي الصحة والفساد . وأعني بهذا أنه يجري ذلك منه - لطلب اللذة أو الراحة - على سبيل الانجذاب اليه بالشهوة ؛ [ و ] حسب ما يجري ذلك لفائدة نطقية ؛ وعلى سبيل الحمل عليه بالغلبة الا أن أحدهما مستدعى اليه طبعا ، والآخر مستدعى اليه عقلا . - ولمّا كان النطق ينقسم قسمين - وذاك أن المعاني النطقيّة هي كذلك ، أعني أنها تنقسم إلى الموجودات التي لا يمكن وجود أوائلها بنوع آخر وهي المعاني الضرورية ،

--> ( 16 ) فيستحد . ( 17 ) يقول العامري في كتاب « السعادة والإسعاد » : « قال أفلاطن : نحن مركبون من أربعة : إن ولا إن ، ونعم الإن ، وبئس الإن . قال : والحياة الطبيعية جعلتنا إن ، والموت الطبيعي جعلنا لا إن » . ( ص 66 ) . وقد وردت العبارة السابقة في نشرة د . عبد الرحمن بدوي هكذا : « قيل إن : لا أنّ خير من بئس الأنّ » . ( الحكمة الخالدة ، ص 368 ) .